Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

أماريق


قراءة في مدونة ( التيهاني ) الشعرية
إهداء للشيخ الجليل محمد بن عبدالله الحميد الذي أدرك منذ قديم أن القمة تتسع لأبناء الوطن جميعًا ، مادام الهدف ساميًا والغاية نبيلة ، اعترافا بانتصاره لنا نحن الشباب .....

أحمد علي آل مريع _ الرياض
أماريق ...
ديوان شعري صدر عن نادي أبها الأدبي عام 2000م ، وهو الديوان الشعري الأول للشاعر الأستاذ أحمد بن عبدالله التيهاني ، وقد جاء في نحو 141 صفحة من القطع الصغير ، واشتمل على خمس وعشرين قصيدة ..
وأحاول فيما يلي مقاربة الديوان ، ويلاحظ القارئ الكريم مقاربتنا هنا وهي تحاول التموضع في خيار متجانس مع التجربة التيهانية والرؤية الشعرية التي يصدر عنها الديوان حسب ما أوَّلنا ، فقراءتنا تقوم بالدرجة الأولى على ممارسة ( أبستمولوجيا المكاشفة المباشرة ) بالإضافة إلى شيء يسير من ( التفكيك ) المرتهن للواقع بغية ( تطمين ) نفور العالم الشعري ، الذي لا يخضع لمقاييس المنطق الواقعي .
وابتداءً من العنوان الذي يعني في الدراسات النقدية الكثير ؛ لأنه لدى طائفة من النقاد المفتاح الأساسي نحو التوافق مع قدر تأويلي أو استمتاعي أو تواصلي مرضٍ ، سواء في ذلك عناوين الدواوين أو عناوين القصائد المفردة ، في هذا المضمار : نجد التيهاني ينصب أحد الاستخدامات اللغوية المحلية الفصيحة عنوانًا دالًا يقوم باختزال ما يمكن من تجربة الديوان .. ذلك بتكوين مفرد ( أماريق ) جاء بصيغة جمع التكسير ( أفاعيل ) ، واحده ( مَرْق ) وهو : سفا السُّنبل ( الحسك / الأشواك ) تحمي الحَبَّ من عاديات الطير والحيوان .
وفي منطقة عسير ، وهي منطقة زراعية يصبح منظر " الأماريق " في مواسم الحصاد مألوفًا تبصرها حيث نظرت من حولك على : امتداد الطرق ، والمنافذ الموصلة إلى الجُرن / البيادر التي تضربها أقدام الفلاحين غدوًًّا وعشيًا ، وبين فكاك النمل وهي تجوس معابرها هنا وهناك ..
وفي المحكي الشعبي للمنطقة تأتي ( الأمروق / الأماريق ) علامة على الألم والخسارة والعنت ، أو التَّعنت البالغ ، فهي شجا من غص به من حيوان أو إنسان لا يكاد يرجى له سلامة .. يقولون : " فلان أمروقٌ " أي معترض كشجا في الحلق ، و " أمروق " مفرد : " أماريق " المستعمل محلياً .
والتيهاني يفيد من الأمرين معا ( العمق اللغوي المحلي _ والاستخدام المجازي ) كبعد مرجعي دال ، ومن الإلماح الترميزي المنبعث من ظبابية العنوان ؛ ناشراً مساحات دلالية متحركة !!!
إن تجربة الديوان التي صنعته كانت مواسم عمل / حصاد ، ويخطئ من يظن : أنها كانت محصولًا وفيرًا من دون ( أماريق ) من نوعٍ ( ما ) . فالقوى الدافعة للإبداع تظل ذات ذكرى أليمة سواء في نفسها أم كانت مأساوية عند ممارستها ( كفعل تذكري ) اضمحلت لذاذاته التي كانت مبهجة يومًا من الأيام .. ( الألم ) هو عنصر المعادلة الثابتة لدى المبدع سواء في ذلك استجلى الجمال أو استشرفه في مفردات القبح حوله ..

ومن هنا تنشأ مخاتلة العنوان ( برغم فصاحته وقاموسيته ) إذ هو ليس تماهيًا رومانسيًا بالمعنى الفلسفي للرومانسية كما ظن بعض الذين قرأوا الديوان من جلدتي الغلاف فحمَّل الشاعر والقصائد حكمًا تبعيًّا لا يخلو من مجازفة !!!
كما إنه ليس من قبيل : " مروق الشعر ديوانًا إلى القارئ " ، كما ذهب مرَّة أحد أدبائنا الشباب وقد أرقه هاجس العنوان ..
التعبير بـ" أماريق " وهو يتصدر الديوان يأتي بحمولة أنثروبولوجية وجغرافية ينتهي إليها ويذوب فيها حدّ التوحد . وبذلك فهو ( رمز مرتد ) أو ( متمرد ) على الرومانسية يتوغل الحياة الاجتماعية ، ويمتح الواقعي فيها واليومي .
إحدى قصائد الديوان تؤكد اتصال التعبير بالتعاطي اليومي الدارج في المجتمع الزراعي العسيري :
كان لهث القيظ في أرضي مخاضًا
منه كانت لي حياتي
عندها ..
الكون مزيجٌ
من " أماريق " الحصادْ ..
وأهازيج " امصريمْ "
ونداءات الترقيْ
نحو آفاقٍ بها نجمٌ لشاعرْ .

شاعرنا لا يعرف الإبداع طقوساً مصطنعة يتم ( اجتلابها )أو حمل النفس قسرا عليها ، ولكنها حالة من الحصار والاقتحام العظيمين تتهاوى أمامهما حصون التمنع والرفض ، وتستحيل هذه الحالة بشكل ( دايلكتي ) معقد إلى تدفق نحو الخارج ، أوكما يعبر الشاعر ( نزف ) يفيض عن الجسد المحكوم ببايلوجيته ..
فالإبداع هو الذي يوجد ذاته ويكتب نفسه ، وما المبدع إلا لحظات مسكونة بالتجارب التي يتوكأ عليها الإبداع ، ويتصور عبر تشكيلاتها وتشاكلاتها ، يقول شاعرنا :
حصار طيوف لحظات الكتابة
يحيل طقوس إمسائي كتابة
تغشاني ظلام البوح حتى
نزفت الشعر درءاً للكآبة
تشاكسني الحروف ولست أدري
أشئت النزف أم رمت اجتنابه
لأن الشعر في الشريان سمٌ
أقاومه بأن أرعى انصبابه

شاعرنا يركز على لفظة ( الكتابة ) في القصيدة ابتداءً بالعنوان ومروراً بأبيات القصيدة نحو ثلاث مرات " لحظات الكتابة _ طيوف الكتابة _ حشو إمسائي كتابة " .. الكتابة بالضرورة تغييب للقول " أنشد / قال شعراً " وبالتالي يتلاشى حضور الصوت ..
الكتابة نقلة نوعية وثقافية ؛ لأنها تأتي عبر شبكة واسعة جدًا ومعقدة جدًا من المقروء و ( المعيوش ) والرسمي والشعبي معاً .. ولذلك فالتحدي الحقيقي في أن تكون بروزًا ( فردانياً ) يستحضر وجوده من أمشاج العلاقات المفتوحة على كل شيء وبكل شيء ، ما لم تكن الكتابة كذلك فهي تلاشٍ في الـ( جمعي ) أو غياب في الـ( معياري ) .. وتدحرج بين أمواج التيارات الزاحفة دون وجهة .. حضور الكتابة ضد حالة الـ( صوت ) بميكانزماتها الفيزيائية والنفسية أيضاً .
و( الكتابة ) من جهة ثانية تحمل ثقلا اصطلاحيا ( مؤسساتياً ) يتشظى إلى كيانات ذات استرتيجيات كتابية ثرية غير ناضبة .
وسيطرة الـ( الكتابة ) على هاجس التعبير لدى التيهاني مؤشر لطبيعة تصور الشاعر لعملية الإبداع ووعيه بآلياته في وجهها المطلق ، فليس المهم أن يقول شعرا ولا أن ينتج نثرا ، المهم أن تكون هذه أو تلك فعلا وجوديا راسخا بسلطته الإبداعية التي تفرض نفسها .
وكما أنه فعل وجودي لا يختاره صاحبنا ؛ فإنه كذلك لا يد له في تحديد جنسه ، ولا هويته الفنية بل يأخذه في حالة استسلام إلى حيث يكتبه مرة شعرًا ومرة نثرًا ومرة شعورًا كيف شاء …
أجدني بحاجة إلى العودة للوراء بضع سنين أخرى حيث صادفت عينيي لأول مرة قصيدة عددتها وأنا أقرأها آنذاك القصيدة الأولى لشاعرها ( أحمد التيهاني ) وقد نشرت في ( بيادر ) فصلية نادي أبها الأدبي غرة محرم 1415هـ كانت تحمل عنوانًا فلسفيًا أكثر منه شاعريًا ، وهو : ( الشعر ) لعلي برجوعي إليها أتمكن من التحقق من جذور الرؤية السابقة ومدى التحول إن كان هنالك تحول من نوع ( مـا ) قد طرأ على رؤية الشاعر :

قلمي يئنُّ إذا دفنت به الشعور
ووقفت ألتمس المعاني في الشطورْ
ويلومني متسائلاً كيف اتجهـ
ـت إلى الستور وأنت ضدٌ للستور؟
كيف اتخذت الحرف رمزا لا يبو
ح بحب شيء أو بخير أو شرورْ ؟
هل تحسب الأشعار سوراً خلفه
رقد المراد ممنعا عن أي نور ؟
أم تحسب الأشعار لفظاً سافراً؟
لاترتضي الأشعار أطباع السفور
ليس الكلام صفوف وزن أو قوا
فيَ دون شيء خلف أستار السطورْ
قلمي يقول : الشعرُ رمز خلفه
معنى وليس الشعر ألفاظاً تدور
يتمرد القلم الحبيب إذا كتبـ
ـتُ به طلاسم تحتوي أدب الغرور
عذراً فلست مناصراً أهل الغمو
ض فقد أنبت وتبت عن دفن الشعور

التيهاني هنا اتخذ من ( الحوار ) وسيلة قدم من خلالها منطقه الشعري الذي يعرفه ، وحاول التخفف من وطأة الموضوع باصطناع حالة التقابلية ( الأخذ والرد ) لإضفاء مسحة شعرية تتولد من ( الصراع ) . وعلى أية حال فأنا لا أستشهد بالقصيدة السابقة لمسألة فنية على وجه خاص ، بقد ما أرجو أن يكون بمثابة التأكيد على ( الفكرة / التصور ) :
القلم هنا هو الشعر وليس الصوت ، والقلم هو ما يئن وليس الشاعر ، هو الذي يختار لحظات البوح وليست الرغبة العقلية الصارمة ، وكل ما في مكنة الشاعر فعله الانقياد لهذه الحالة طواعية .
وفي المقطوعة أيضا تبرز ( الكتابة ) كذات فاعلة ويغيب الصوت ، وحضور ( الكتابة ) في : أدواتها ووسائطها والصياغة الفعلية منها ( قلم / قلمي _ حرف / حروف _ سطور _ كتبتُ ) ، لكنها لا تلبث أن تختزل في إحدى مؤسساتها النافذة ( القصيدة ) .
وبالتالي فإني ومن خلال السياقين ( قصائد الديوان _ وقصيدة بيادر ) أستطيع القول: إن الديوان جاء منتميًا للمرحلة نفسها ، ومحكوما بالرؤية نفسها …
وبالرغم من التفاوت الفني بين قصيدة بيادر وقصائد الديوان إلا أنها تقدم فهم الشاعر لطبيعة كتابة الشعر ، ومنحى تقديم التجربة لديه ، فالشعر ليس تسطيحاً ولا رنةً جوفاء دون لباب ، أو بعبارته " دون شيء خلف أستار السطورْ " ، وبالمقابل فليس بالغموض ولا التعقيد يرقد خلفهما " المراد ممنعا عن أي نور " ، والخيار الذي يمارسه شاعرنا نابع من طبيعة هذا الفهم ، وهو " الوضوح " ؛ لكن ليس الوضوح المجرد ، بل الوضوح الذي يفضح الشعور .. ويحيل الشعر إلى فعل " تعروي " لا يعترف بالمتاريس ولا الحواجز التي يحتمي بها العقل ، أو يتوافق بتعزيزها مع ما حوله ، أو يجعلها دون إنسانية الإنسان لاعتبارات لا يقبلها الشعر ..
وأقصر السبل إلى ذلك هو التلقائية !! والتلقائية أو ما يُسمى أحيانًا بالعفوية مقوم من مقومات نجاح الأعمال لا سيما تلك التي يراد لها أن تخاطب جمهورًا واسعا من الناس ، أو تنحو منحى إنسانيا شفيفاً لما يتوافر لها من قدرة واسعة على استبطان الذات ، والبوح الحي النابض بالإحساس ، ولما تتميز به من حميمية خاصة تنشأ بين المبدع والمتلقي ، تقوم على أساس من التقارب والتماثل ؛ شريطة أن يتوافر لها الخبرة والجمالية معاً ؛ فالتلقائية لا تعني أبدا السطحية لأن الفنون لا تعترف بالضحالة بل بـ( الموهبة ) ، فكلما سيطر الإنسان على تقنية ( ما ) ، وارتفع مستوى كفاءته الأدائية كان أقرب إلى العفوية عند ممارسته للعبته ، وأقل شقاء بها وإشقاءً لمن ينتظرها .
فالتلقائية التعبيرية لدى التيهاني جاءت نضح شاعرية أصيلة ، عرفت كيف تجعل من اللغة كائنا عضويا موصولا بالشاعر يتداعى له _ دائماً _ بالسهر وحمى الإبداع :
أتوارى من حنيني
في سطوري .. ،
ومسائي .. ،
وبحوثي .. ،
والبطاقات النثيرة .
أتعزى بحروفي ..
من عيون الحزن تنساب الحروفْ ..
تنفض الغربة عن صدرِ الغريبْ ..
فيموت الحزنُ .. أو ..
تحيا الحروفْ
أو يفيض الشوق من قلبٍ كئيبْ


ولعل في هذا التوافق العضوي بين الكيانين : ( الإنسان / الشاعر _ اللغة / الشعر ) ما يعلل لنا وإلى حد بعيد ظاهرة العذوبة الواضحة التي تتجلى في تلقي قصائد التيهاني ، ووقعها اللذيذ في السمع والنفس معا.
والحقيقة أن ( العذوبة ) التي تدركها النفس الصافية بكل يسر بل وتشهد لها عند قراءة الديوان ، من أعسر الأشياء تفسيرًا نقديًا في الأعمال الأدبية ، إلى الحد الذي اضطر معه أحد نقادنا مرة إلى الوقوف أمام معضلة تعليل العذوبة قائلاً :
" تلك موهبة خاصة تعرف في الذين إذا سمعت حديثهم قلت هذا هو السحر الحلال . ومن الصعب أن نحلل هذا السحر لنتبين عناصره الأساسية.
ولقد حاول نقاد الأدب ذلك منذ أقدم العصور فوصفوه بحسن البيان ، وإشراق الديباجة وكثرة الماء ، وغير ذلك من الصفات . وهانحن اليوم نكرر ما قاله العسكري منذ نحو ألف سنة . فنقول : " وإنما هو في جدة اللفظ وصفائه ، وحسنه وبهائه ، وكثرة طلاوته ومائه"... ونقف عند هذا الحد … !!! "
ولكن ينبغي ألا نغفل عن عامل آخر لا حيلة للشاعر فيه ؛ لأنه شيء لا يملكه ، يعود إلي شخصية الشاعر وتكوينها ؛ فالأدب قبل كل شيء تدفق عن النفس الإنسانية ، ومن الناس من تكون نفسه خشنة معقدة فيأتي شعره مهما أوتي من موهبة التركيب والانتقاء : ثقيلاً فيه من أثر نفسه المعقدة ما يجعل المتلقي لا يندفع في تلقيه لرصفه أو شعره ؛ إلا بمزيد إعنات نفسه ، ومنهم من تشعر بأنه حين يكتب أو ( يشعر ) بأن نفسه ومشاعره تذوب بكل تركيزها في لغة متجاوبة مع كل حالة ، يتدفق الشعر منه إليك تدفق الماء من النبع ، وكانبعاث أشعة الشمس عنها حاملا مقومات وجوده وحياته وكل جماله ؛ فيتشبث بك دون حرص منك ، ولا تكاد تفطن لنفسك إلا وأنت أحد رواة هذا الشعر ، تردد شيئاً مما سمعته في لحظات الإشراق :
في فؤادي ..
كان يحيا ألف شاعرْ
يبذرون الحبَّ..
في كل المشاعرْ
ويذيبون المعانيْ
في القواقي ..
فيتيحُ البيت منها ألف خاطرْ
* * *
في زمان الشعر ...
أيام التواثبْ
كانت الأشعارُ
بوحاً للسرائرْ
وأقاصيص الحياة الأبهويةْ
تدخل الشعرَ ..
وإحداها تخاطرْ..
كانت الأقصوصة الصغرى تحاولْ
أن يذوب الشعر فيها ..
كي تسافرْ
نحو آفاقً بها مجدٌ لشاعرْ
لكن الأقدار تأبى أن تسايرْ .

ويمكن اختزال تجربة الديوان الفنية في تجربتين غالبتين ، هما : ( الغربة ) و ( الحنين ) . ويبرز المكان كعنصر فاعل ساهم في تجذير هذه التجربة وأعطاها بعدا فنياً وانتمائياً ؛ فما بين المكان المحبوب ( كعنصر غائب واقعياً ) في طرف وبين المكان الضد ( كعنصر حاضر واقعياً ) بفعل طموح الشاعر واندفاعه وراء تحقيق أحلام أكاديمية وعلمية : ارتسمت مساحة شاعرية خصبة تلظت فيها ذات الشاعر بنار الغربة ، وتأوهت قصائده حنيناً شاعريًا شجيًّا ، يزداد في كل مرة يتلفت فيها التيهاني فلا يجد ما كان أنس إليه من معالم المكان وأحيائه ، أو عندما تحين ساعة الارتحال بعد أن يكون الحظ التعيس جاد بلحظة وصال خاطفة .
والعجيب ، وكل ما في عالم الشعر عجيب وغريب ، أن المكان المحبوب الذي أرهق الشاعر فقده في دنيا طموحه الجديدة لا يلبث أن يكون ماثلاً بكل قوة وسطوة في الشعر ليس كمنزع تعويضي فحسب ؛ ولكن كذلك وكأساس قيمي فني بالدرجة الأولى يعتمد عليه الشاعر في تلمس طريقه ، وتقديم ذاته الشاعرة للناس ..
فـ ( المكان المحبوب ) وإن كان غائبًا على المستوى الواقعي يقابله في النصوص حضور لغوي تجلى في عدد من الحالات والتقنيات والاستخدامات المتعددة ، قد لا نستطيع استيعاب الإشارة إليها جميعا ولكن نكتفي بالإشارة إلى بعضها ..كالإسهاب في ذكر أسماء المواضع والنباتات ، وتوظيف عدد من المفردات ذات العمق الجغرافي والإحالة على الشعبي والأسطوري والبسيط ، مثلاً : أبها ، عسير ـ عسيري ـ عسيرية ، الجنوب ، تيهان ، أبو خيال ، امنصب ، شعب امغسِف ، والشث ، و: الأماريق ، امصريم ، القيظ ، امسعالى ، اموعالى ، وامهوام ، سراق امَّعادل ، ضيوف من تهامة ، الخَرص ، رقصة أزدية ....إلخ .

ومنها توظيف مبدأ الثنائيات وتعزيز عنصر التقابل في كل جانب كآلية كاشفة للنفس وانعكاس الفضاء على النظرة للأشياء المختلفة ، ويأتي ( الثنائي / التقابلي ) عنده من خلال مبدأين أساسين ، هما : البناء المستقل والبناء المتداخل ، ففي قصيدة " ليلة باحث " يسلط الضوء على ذاته ، منفردا منعزلا عن الكون من حوله ينسج خيوط الطموح لمستقبل أفضل :
تخالطه الدفاتر والغبارُ
ويسكنه التعمق والدُّوارُ
يلوك الليل رشفاً "للأغاني"
ويبذر علها تُجنى الثمارُ
يجندل كل قافية يراها
فصار له لدى الأشعار ثار
يُطارد من مسائله الصبايا
ويحلم إن يوفق ..إذ يحار
قعيدٌ .. يقتل العمر اشتياقأً
ليوم فيه ينسدل الستارُ
وحيدٌ عنده الدنيا كتابٌ
وتقميشٌ ونقدٌ ... واختيارُ
بطاقاتٌ .. قُصاصاتٌ.. وليلٌ
كوجه الصمتِ يلفحه النهارُ
الحالة هنا وإن كانت تصف العمل لتحقيق أمنية الشاعر الأكاديمية التي تتصل بعالم البحث والكتابة وما فيها من التقميش والسهر ، فإنها تأتي في معرض الضيق والتبرم الشديد ، وتوحي بأزمة بالغة إلى درجة أخذ فيها الشاعر يتنكر لشاعريته ، وهذا تعبير عن عدم قدرته على التوافق مع حوله ، تأمل مثلاً التعبيرات : " الغبار ، الدُّوار ، يلوك ، يجندل قعيدٌ ، يقتل العمر ، وحيدٌ ، ليلٌ كوجه الصمت ....".
الشاعر نفسه في قصيدة أخرى يصف تلك الليالي التي يواصل فيها طموحه بعيدأ عن عالمه المكاني بـ( مساءات الهروب ) ، وكأن غياب الشاعر عن مرائي الحسن في أبها والقرى العسيرية غياب عن شعره الذي هو بشكل أو بآخر غياب عن نفسه التي ألفها ، يصرح بشيء من ذلك في قصيدة خاطب فيها صغيره " ماجد " :
يا صغيري ..
لست تدري .. !!
ما تقاسيم الأبوة
في زمانٍ ...
شانه صدق الطموح
لست تدري .. !
كيف يغريني الحنين ؟
باختراق الأفق عدوًا للجنوب ..
كي يموت الويل في هذا المكانْ ،،
بهروبي من مساءات الهروبْ .
وانتفاضات الرمالْ .
لست تدريْ .. !!

هذه الصورة غير صورة الطموح التي تتبدى للقارئ في المكان المحبوب ، كأنما هي حلم لذيذ يعاقره شاعرنا صبح مساء . هنا يعترف الشاعر بأنه أي المكان كان المداد القاني الذي غذى فكره بآفاق التطلع إلى المجد ، وكان المحرض الأول على أن يبحث الشاعر عن نفسه في إنجازات تضاف إليه حتى بعد أن يفنى :
ها هنا ..
كان طموحي ..
يمتطي سرج الإرادة ..
يقذف الآمال شعرًا .. ،
وصروحًا .. ،
وجمالاً .. ،
وشهادةْ .
في صراخ الهمس يأبى ..
أن يكون المجد مالاً .. ،
وعيالاً .. ،
ووظيفةْ.
إنه مجد التواري
والأماني الساقطاتِ ..
إنما المجد حياةٌ ..
بعدما تفنى حياتي .

في المقابل لقصيدة " ليلة باحث " يقدم قصيدة ذات عنوان مكاني محدد ، هو : " مقعدٌ في " أبو خيال " ينتقي الشاعر في مشهدًا مسائيًا تبرز فيه نفسه وهي مؤتلفة مع عالمها إلا من بعض المنغصات التي فرضها الشاعر على عالمه الشعري بدافع عقلي وعظي خارجي لذلك نتجاهله في عرضنا الآن ؛ لأن لنا معه وقفة عما قريب :
وجلستُ ..
على ذاااك المقعدْ .
أتأملُ
آآآفاقًا تمتدْ
أتأملُ
أبها
مأبها ؟
عشقٌ في روحي يتجدد
وكتاباتٌ
فوق المقعدْ .. :
" ذكرى خالد "
" ذكرى أحمد "
...............
...............
وجنين الحروف يناديني :
أخرجني ...
أهفو أن أُنشدْ .
فالوطن الوادع يدعوني ..
أن أتمرد ضد المرقدْ
يدعوني ..
أن أخرُج حبرًا
أتمايل في الوزن الأخلدْ
وتركت معانيها تسري ..
كي تكشف أسرار المشهدْ ..
ماذا يحوي ذاك المشهد ؟
أسرار المشهد آفاقٌ ..
فيها أشعاري تتبدّدْ .
أسرار المشهد آمالٌ
أحلامٌ ..
تُلهمني ..
تُسعدْ
الشاعر هنا يأتي متسقًا مع العالم حوله لحمة واحدة متحدا مع ذاته وما حوله ويأتي الشعر إفرازًا واضحًا لهذا التوافق سابحًا في آفاق الجمال ، خلاف القصيدة السابقة التي نجد الشاعر فيها يعاني من التشظي والعزلة ..

التشظي والعزلة يظهران بمستوى أوضح في قصيدة بعنوان " رمضان في الزمن الخصيب " استثمر فيها الشاعر عنصرًا زمانيًا ، والزمان _ كما هو معروف _ من ألصق الأشياء بالمكان في الذهن ، ليجلى عنصري المفارقة و التباين من الداخل والخارج عبر أقرب نقطة موضوعية للمكان وهي النقطة الزمانية ، وذلك باقتناص ( رمضان ) بصفته مناسبة عبادية موقوتة ، ذات رصيد روحاني ووقع شاعري ، مما يتيح فرصة للتداخل وبالتالي للتقابل بين الذات والزمان في فضاءين متغيرين ( المكان المحبوب / الضد ) معتمدًا على توظيف أسلوب الثنائيات ضمن بناء متداخل / داخلى في قصيدة واحدة :
رمضان في الزمن الحبيبْ ..
طفلٌ يظن الشهر شيخًا زائرًا كُل الديارْ ..
وله عصا .. !!
شيخٌ عجيبْ .
يأتي بصومٍ .. وصلاةٍ .. وسحورْ .
والعيدُ يكمل مهرجانات السرورْ .
* * * *
ونما الشعورْ
رمضانُ شهرٌ ..
إنما غير الشهورْ ..
ونما الصغيرْ ..
بدأ التمردُ والخروجْ ..
فإذا الرفاق لهم طقوس ..
لعبق يكون بذا الزمانْ ..
ومحرَّمٌ باقي الشهورْ
والكل يلهث في انتظارْ ..
ليجيء شيخٌ من بعيد ..
فتهيج أفئدة الصغار ..
فرحًا بتمراتٍ يوزعها الكريم ..
الشيخ .. يبدأ بالبناتْ !!
ياليتنا كُـنَّـا البناتْ ..

* * * *
ونما الشعورْ ..
فأبيت إلا أن أصومْ ..
وبكيت لمَّا عارضوا ..
قالوا : " صيامك للحمارْ "
فختمتُ فخرًا مرتينْ

* * * *
ونما الشعورْ ..
...................
فسكنتُ أحداق الغيومْ .
رمضانُ ..
حبٌ .. ،
وسموٌّ .. ، وصِلاتٌ ..
وصلاةْ ..
بالنسبة للمحتوى : هذا هو ( رمضان ) في الزمن الخصيب في المكان الحبيب : فعل وإرادة ونجاح وحب وتواصل وسمو وطمأنينة ، أما القصيدة فتستخدم آلية ( الـذكريات ) التي تستعيد الحركة العامة للمجتمع وليس الشخص وأحداثه الخاصة فحسب ، وهذا يمنح الشاعر قدرًا أوسع من المساحة التي تمكنه من اجترار الأحداث والانطباعات الشخصية " طفل يظن الشهر شيخا زائرا كل الديار .. وله عصا " ، واستبطان النفس " يا ليتنا كـنـا الـبنات " ، والمقول الثقافي السائد .. " صيامك للحمار " ، بعض العادات والممارسات اليومية " الشيخ الذي يوزع التمرات على الأطفال ـ تقديم البنات على الصبيان " ، والتماهي معها إلى أقصى الحدود .
و ( آلية الذكريات ) تأتي وفق نسق سردي استعادي متتابع زمنيًّا ، وتقف عبارة " ونما الشعور .. " كمفصل شعري بين كل مرحلة من المراحل ، كما تأتي النجمات ( * * * * ) فاصلاً ( كاليغرافيًا ) بين المراحل أيضًا ..
لكن تدفق السرد يتوقف حين يدلف الشاعر لرصد انطباع الزمان ( رمضان ) في المكان المقابل ( الضد ) ، وتبرز من جديد حالة التشظي والعزلة ، وتلوح أشباح الفناء والاضمحلال :
حتى أتى زمن كئيب .
رمضانُ ..
إفطارٌ على ريح الرمالْ
رمضانُ ..
أشلاءٌ تفرقها الفلاة ..
رمضانُ ..
موتٌ ، وانتظارْ ..
فهناك في الجبل المهيبْ ...
أبها .. ،
وعينكِ .. ،
والحياةْ .
إن حالات التشتّت والضياع والموت لحظات توقف ليست قادرة على بعث الفن من سباته ، لذلك كان الإبداع مرتبطا بحالة التوحد التي يسبغها روح المحبة والانتماء ، وهنا تصبح الذكريات هي الملجأ لإنشاء تلك الحالة ، ولكنها لا تتأتى إلا من رحم معاناة ( الفقد ) ، ولأن المكان غائب فإن استعادته تكون بالذاكرة ، ويصبح ( المكان الضد ) الحاضر في الواقع بما يسببه من ألم حالةَ ( صمت ) يعبر عليها شاعرنا إلى : الجبل الخصيب ، وأبها ، وعينِ الرفيقة ، حيث الحياة .. كل ذلك ينداح عبر بوّابة الذكرى ، وبذلك يكون المقطع الأخير من القصيدة ( المقطع المستشهد به آنفًا ) هو الأول ، والأول هو الثاني ، ثم تتوالى المقاطع كما هي عليه في الديوان :

رمضان في الزمن الخصيب ..
كنزٌ من الذكرى تقاذفه السنون ..
فيشيخ في عقل خؤونْ ..
ويضيع كنز الذكريات ..
لكنها انبجست يفجرها اشتياق .

ولا ريب والحال كما أشرنا أن يكون المكان / المحبوب عنصر الفعل الحقيقي وراء استجلاء معالم خافتة أو خافية مختبئة وراء الركام ، في قصيدة " أحتاجك " مثلاً ، ينادي التيهاني ملهمته حاشدًا في أُتون النداء كل الصفات المؤتلفة والمختلفة لدرجة التضاد ، لكن النداء يأتي وقفاً على ( مكان واحد ) لا يتعدد وفي هذا إشارة غير مباشرة إلى الهوية المكانية التي تشكل شخصية ( الملهمة ) وما ينبعث عنها :
أحتاجك سيدتي ..
أنفاسًا ..
إعصارًا ..
نارًا تكوينيْ
أحتاجك دفئًا .. ،
وحنينًا .. ،
ومساءً عذب التلوينِ
أحتاجك ..
غضبًا وهاجًا ..
ليضيء دماء شرايينيْ
أحتاج إليك ... ،
وأحتاجك ..
حالة إبداعٍ تعمينيْ
أحتاجك ..
فعلاً هزليًا
يضحك من غيضي ..
يحييني ..
أحتاجك ..
همسًا " حجليًّا "
" أبهيَّ " اللهجة يغرينيْ ..
الهمس أصدق الحديث وأوثقه ، والهمس إحساس بالأدب المصوغ من الحياة – كما قال الراحل محمد مندور رحمه الله - واللهجة هنا ( الكلام ) المستعمل في نطاق الجغرافيا المحددة في النص ، كأنما ( اللغة بجذرها الاستعمالي والمكاني ) هي المغرية بتفاعل الشاعر وتجاوبه الخاص .
وفي قصيدة " عسيرية " يتعرف الشاعر على هوية الجمال من خلال المكان ، حيث يزيح ( الـحَـوَر ) كصفة أولى يتم اجترارها في الشعر العربي قديمًا وحديثًا لوصف عيني المحبوبة ، ويحل المكان مادة ذلك العشق السرمدي الذي يجده ماثلاً كالنبض في شرايين فؤاده كصفة بديلة لإذكاء ( الجمالية ) التي يتعاطاها الشاعر :
عسيرية العينين ..
ميلاد فرحتي ..
تضم ارتعاش القلب عند توجعي
عسيرية الإلهام ..
كالنبضِ حبها
يساير دفقَ العمرِ
يحملها معي
عسيرية التحنانِ ..
يا دفْ رحلتي .
تخيطين أحلامًا لمركب مدقعِ ..
وتبنينها ..
قصرًا تضج به الرؤى
تمور به أبياتُ شدوٍ ممتعِ

عسيرية الإيحاء ..
فاتنة الرُّبى
لها فرحة كالصبح ِ ...
تكتسحُ الأسى
تشع رذاذ النورِ
بين مواجعي
هكذا يتعاور على المشهد المكاني أو الوجداني - لم أعد أدري على وجه اليقين - صورتان ، هما : المحبوبة والمكان ؛ حيث يتداخلان إلى درجة يصعب فصلهما عن بعضهما ، ولا تكاد تستبين للقارئ أكثر من صورة ( الحُلول ) التي تملأ أرجاء المكان وتسري عبر أعطاف المحبوبة .. ( المكان ) ذو عينين .. يضم ارتعاش الجروح .. حنون دافئ .. يخيط الأحلام ، و ( المرأة ) ذات إيحاء عسيري .. فاتنة الربى .. لها فرحة كالصبح .. تكتسح الأسى .. وتشع رذاذ النور بين المواجع ..

وفي قصيدة " لامية الحقيقة " يحيل التيهاني إلى نص غائب ليتقاطع معه بذكاء مفيدًا من تقنيات ( التناص ) ومراوغات الإحالة الإشارية .. حيث يثير حرف الروي برغم اختلاف حركته ، وعنوان القصيدة الصاخب " لامية الحقيقة " تداعيات عديدة ترتبط بالنص العتيق " لامية العرب " للشاعر الشنفرى الأزدي ، الذي ينتمي للمكان نفسه الذي ينتمي له شاعرنا . الشنفرى من موقع موقف الصعلكة يعلن ارتحاله عن المكان ، ومغادرة أهله الذي يسكنونه كفعل احتجاجي ضد منظومة القيم التي يؤمن بها المجتمع القبلى الأزدي :
أقيموا بني عمي صدور مطيكم
فإني إلى قومٍ سواكم لأميلُ
فقد حُمَّت الحاجات والليل مقمرٌ
وشُدت لطيات مطايا وأرحلُ
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القلى متعزلُ
لكن التيهاني يرفض الارتحال ، ويصر على على الإغراق في ( سحنته ومحليته ) التي صاغ ( المكان ) تضاعيفهما ، ومنحهما سمرة حنطية داكنة ، لذلك يمعن في الارتباط به نفساً ، ووجدانًا ، وجدًّا ، وابنًا : ماضياً وحاضراً ومستقبلاً .. ومن خلال تناسل جزئيات مغايرة يعاود كتابة المكان أو صلته بالمكان من جديد ( معادلاً ) تجربة الشنفرى ، وفق نسق فني يتقمص الانتماء الكامل خيارًا وحيدًا كـ( الحقيقة ) لا يغني عنها سواها :
أسيدة المدينة كيف أحكي
غرامًا مثل إشراق الليالي ؟
غريب الخلق كالوهج المدمّى
بأنياب التشرد والنكالِ
تُؤججه حكايات الروابي
عن الأفعال في عهد الفعالِ
أسيدة المدينةِ .. ذاك عشقٌ
عسيري التعلق والخصالِ
به تختال ( نزوات الصبايا )
وتسكن صدره فتنُ الدلالِ
إليك رواية الحب الموشى
بإكليل من الهمم العوالي
مزجت الصبح فيها بالليالي
لأشربها مكانًا كالزلالِ
وكنتُ إذا أضاء السفحَ بدرٌ
أُردد داعيًا نص ابتهالي

أسيدة المدينة جاء جدِّي
عجولاً لا يضاهيه احتمالي
ولكن المكان هنا عجولٌ
إلى روض عسيري الظلالِ

خضوعاً للشوامخ والمعاني
وطوعاً تحت إمعان السؤالِ :
أبعد تراشق الأيام زهوٌ
يزيل الضباب أيامٍ خوالي ؟
ليشرقَ في النفوس ضباب أبها
كإشراق القصيدة بالجمالِ
أسيدة المدينة لست أروي
غرامي إنه فوق احتمالي

أما القصيدة التي يختم بها الديوان ( مقال العائدين ) فإنها تأتي كلازمة أساسية للوعي بـ ( النزوح ) و ( قيمة المكان ) .. هذه اللازمة لا بد من الجهر بها ، ولكن بواسطة قصيدة ( ناسخة ) تتجلى في مظاهر مضادة : القفول / عودة الحجاج الذين فازوا بمطلوبهم ، وظفروا بالفرحة حين عادوا إلى مواطنهم ، وفرغوا لرواية الحكايات ، ويجب ألا نغفل أن من معاني الحاج في اللغة : ( القاصد )
روى الحجاج إذ عادوا ..
حكايات اكتواء الأرض بالأقدامْ
وزادوا حينما زادوا ..
فتاوى الحلق والتقصير والإحرام
وزادوا حينما زادوا ..
روايات ازدحام الناس " بالشيمة "
بأرض ليس يسفيها
غبار تصحر الأيامْ
وقالوا شرقها " منعا "
روى الحجاج إذ عادوا ..
عن الأرض التي تأبى ..
مسايرة الزمان إلى الخنوعِ
وكل جهاتها أمس
توغل في الرحيل إلى الضلوعِ
وهام شموخها طورٌ ..
يكاد ينير قوس قزحْ .
روى الحجاج إذ عادوا ..
فصولاً تبهر العينين بالومضة
وجادوا حينما زادوا ..
حديثًا يسكر الدنيا
عن " المحفار " و" الدهناء " و" " الحية "
وأرضٍ مثل " أبهانا "
أصول عروقها حيّةْ
وفي التاريخ أغنيةٌ
وأخلاق " ولاميةْ "
روى الحجاج إذ عادوا ..
وزادوا حينما قالوا :
" تنومة " عينها نقشٌ
وإصغاءٌ إلى الأحقاب والماضين والقادمْ
" تنومة " نقشها رؤيا ...
وأشعارٌ تداعب علة الهائمْ
أجادوا حينما زادوا .
ويحسن التيهاني كثيراً للجانب الأدبي في تجربته بانتقاء عناصر إنسانية تساعده على توفير قدر من الاعتمال الفني الوجداني ، وذلك باعتبار إثارتها لتعاطف القارئ من كل جنس في كل زمان ومكان ، كالزوجة الموتورة بالغربة ، والطفل الصغير القادم في عام النزوح . وليأذن لي القارئ الكريم في الوقوف سريعًا أمام قصيدتين للإشارة إلى هذا الجانب ، الأولى يستخدم فيها الشاعر عبارة يومية معتادة تدور بين الناس ، هي " كيف حالك " ، لكن المفارقة التي تنقل العبارة إلى مستوى التأثير انبعاثها بين مَنْ يفترض فيهم أن يكونوا أعلم الناس بالحال بل بأدق تفاصيل الحال ، مما ينتفي معه توقع دوران ( كيف !! ) المستفزة بين الزوجين ، والتي تتردد في النص ست مرات .. لكن الحال أن الشاعر هنا محتجب عن ألصق الناس به وأقربهم إليه والزوجة مفجوعة هي الأخرى بالغربة ، مما يشرع فاه السؤال ( كيف .. كيف ) :
كيف حالُك ؟
لا تريدي .. آهة تنداحُ في ضيق المكانْ ..
تثقب الوحدة من كل الجهاتْ .
فتزيح الستر عن ليلٍ كئيب .
شاحب الوجه قبيح اللفتاتْ .
جوفه :
بُعدٌ .. ،
وأشواقٌ .. ،
وذكرى .. ،
وحنينٌ .... وحنينْ .
وارتعاشاتُ إضاءةْ .
في مساءاتِ الكآبةْ :
وجهُ أبها .. ،
وعيونك .. ،
وصغيري .
وبقايا العطر في ثوب الرحيلْ
كيف حالك ؟
أتمزق .
بين أبها ..
وطموحي .. ،
وحنانكْ .
( كيف حالك ؟ )
قسوة تنساب من نبع السؤالْ .
تغسل الصبر وتدني لي الرحالْ
كي يكون القرب نتحًا للسؤال .
ذاك حالي . !!
والقصيدة الثانية بعنوان " تقاسيم الأبوة " ، يخاطب فيها الشاعر صغيره القادم في عام النزوح ، محاولاً الاعتذار إليه عمَّا يحسه من فقد لدفء الأبوة منذ عامه الأول :
يا صغيري ..
جئت في عام النزوحْ ..
عن ملاك الطهرِ
عن خضر السفوحْ ..،
عن لذيذِ الهمسِ .. ،
والقلبِ السموحْ .
كم يعذبني النزوح ...
لستَ تدري .. !!
يا صغيري إن ظننت العيش ظلمًا للصغار ْ .. ،
أو رأيت العش مأوى للغبارْ .. ،
أو عرفت الحبّ ..
نصفًا في انتظارْ .
فاعذر العزمَ .
وآمالي الكبارْ .
إنها شحذ حياتي ..
كيف تدري ؟ .
القصيدتان تتشبثان بالأشياء الصغيرة جدًا لكن القادرة على أن تقول فلا تصمت ، وتحضر فلا تغيب ، تجد كيف حالك ؟ ) ، و( بقايا العطر في ثوب الرحيلْ ) ، ( الصغير الذي جاء في عام النزوح _ العش مأوى للغبار _ والحب نصفاً في انتظار ) ، لكنه يتعامل مع تلك الأشياء وفق حس مرهف ، إذ تصبح ( أيقونات ) مختزلة لطائفة من المشاعر والسلوكيات والقيم التي لا يمكن التعبير عنها حصراً .
* * * *
ومن واقع النماذج السابقة يدرك القارئ أن الديوان قد جاء حاويًا النمطين : النمط الخليلي بسومفونياته التراثية المحدودة ، والنمط الحديث المتمثل في التفعيلة . ويوفر الشاعر في النمطين جميعا جوًا موسيقيًا قويًا على مستوى الجرس ( الوَقْع الصوتي ) ، وعلى المستوى النفسي أيضًا ، وهذا يدل على نفس شديدة الحساسية للموسيقى والاستجابة لمثيراتها المختلفة ، ولا يكاد يشعر القارئ بأية فجوة أو تباين موسيقي بين النمطين بل على العكس تمامًا ؛ مما يجعل من مسألة الإيقاع المقولب ، والإيقاع المفتوح خياراً فنيًا يمارسه شاعرنا وفق ما تقتضيه التجربة ، وليس بدواعي الانتصار لأحد التيارين ، وبشكل أكثر تحديداً فإن القصائد ( الخليلية ) تتدفق في سياقات كلاسيكية كالوطنيات ، والمدائح وما في بابيهما ، مثل قصائد : " فصاحة أمير " ، " ومائة عام من النور " ، و " ألمع " ، أو عند معالجة موضوعات (أرستقراطية ) ذات صبغة نخبوية أو مثالية كما في " لامية الحقيقة " و " انهزامية " و " رقصة أزدية " و" لحظات الكتابة " . كما تلح ( التفعيلة ) على الشاعر غالبًا حين تكون الموضوعات ذات صبغة ذاتية أو إنسانية معقدة . والشاعر سواء من حيث الرؤية أو المعالجة ، أو من حيث النسبة الإحصائية للقصائد في الديوان أقرب إلى المنزع التفعيلي ...


مآخذ على الشاعر :
1 ـ إذا كان عنصر الكشف مما يسجل لتجربة الشاعر هنا ، بحكم أن الشفافية سمة من أبرز سمات شخصيته، ولإيمانه بأن الإبداع فعل ( تعروي ) بالضرورة ، فإن الإلحاح على المكاشفة أفضى ببعض القصائد إلى أن تكون ذات مرجعية تأويلية محصورة في فلك حادثة أو مناسبة معينة بشكل دقيق . وهذا ألغى كثيراً من حركية القصيدة في الوعي القرائي لها ، وحجم من دور المتلقي في التجاوب معها وفتح مصاريعها حتى لأيسر الإسقاطات الاستشهادية . في قصيدة " قصيدة غاضبة " بدأ الخطاب مشرعًا متجهاً نحو تقرير وضع ( مازوم ) يمكن أن يتعدد تأويله ويتنوع فهم مقاصده :
سيد النبل تأملْ
كيف يشقى الأشقياء ْ
عندما ينساب فيهم ..
سمّ تأجيل اللقاء
حين كان الصبح خطواً ..
نحو ساعات الصفاءْ
ثم صار الصبح جدعًا ..
لعرانين اللقاء
واستراح الناس منا ..
بين تلويح الخناجر .... ،
وتفاهات النساءْ
لكن لم يشأ الشاعر أن يترك للقصيدة تلك المساحة التأويلية فكبل قيد حريتنا حين كشف الخيوط جميعاً ابتداءً من المقطع التالي :
نصف ساعة
من " صباح المملكة "
عبر أجواز الفضاء
في " خميس الاحتفال "
يعتليها موج " خنجر "
في أيادي الأغبياءْ
فمحاها ..
وتبختر !!
ومضت كل الدقائق ...
شاحباتٍ مثل رقص الأغبياءْ ..
تأكل الوقت ، وضوء الأدباء
ترفع العرضة " لا للأدباء "
ولا يكتفي بهذا فحسب بل يصل بالقصيدة إلى درجة المباشرة ، حين يقحم فيها ألفاظاً لا تعرفها إلا أجندة العمل الإعلامي ، وكأنما ( إذا استبعدنا فكرة الهجاء ) يكتب تقريراً وظيفيًا ، يعرضه على أحد المسؤولين ليعرف المتسبب في ضياع ندوته بين ما أسماه " تلويح الخناجر ، وتفاهات النساء ":
عندها ..
أيقنتُ أني ..
متُ قبل الموتِ ...
ماتت " ندوتي "
تحت أقدام الخناجر
بين أزياء النساءْ
وهكذا تتراجع القصيدة التي كان يمكن أن تظل معلمًا في الديوان على الأزمة التي يعيشها المثقف العربي ويشعر بها . .
ومما يلحق بذلك إصرار الشاعر على أن يكتب كل ما يعرف ؛ ولو كان تعليلاً أو تحليلاً ، إن التعليل ليس من مهمة الشاعر لاسيما حين يكون مفروضً من قبل العقل التحليلي ثم يرام قولبته على عجل في نسق متشاعر قبل ان يذوب في ينصهر في بوتقة التجربة افنسانية أو الوجدانية الخاصة :
وطعم الذل كالسكرْ ..
لأن الذات مقلوبةْ
تُعلق قلبها المؤمنْ